سيد محمد طنطاوي
204
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( اللَّه يَسِيراً ) * أي : وكان ذلك التضعيف للعذاب لهن ، يسيرا وهينا على اللَّه ، لأنه - سبحانه - لا يصعب عليه شيء . هذا هو الجزاء في حالة ارتكابهن - على سبيل الفرض - لما نهى اللَّه - تعالى - عنه ، أما في حالة طاعتهن ، فقد بين - سبحانه - جزاءهن بقوله : * ( ومَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّه ورَسُولِه وتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ ، وأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً ) * . والقنوت : ملازمة الطاعة للَّه - تعالى - ، والخضوع والخشوع لذاته . أي : ومن يقنت منكن - يا نساء النبي - للَّه - تعالى - ، ويلازم طاعته ، ويحرص على مرضاة رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم ، وتعمل عملا صالحا . من يفعل ذلك منكن ، نؤتها أجرها الذي تستحقه مضاعفا ، فضلا منا وكرما ، * ( وأَعْتَدْنا لَها ) * أي : وهيأنا لها زيادة على ذلك * ( رِزْقاً كَرِيماً ) * لا يعلم مقداره إلا اللَّه - تعالى - . وهكذا نرى أن اللَّه - تعالى - قد ميز أمهات المؤمنين ، فجعل حسنتهن كحسنتين لغيرهن ، كما جعل سيئتهن بمقدار سيئتين لغيرهن - أيضا - وذلك لعظم مكانتهن ، ومشاهدتهن من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ما لا يشاهده غيرهن ، من سلوك كريم ، وتوجيه حكيم . ثم وجه - سبحانه - إليهن نداء ثانيا فقال : * ( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) * . أي : يا نساء النبي ، لقد أعطاكن اللَّه - تعالى - من الفضل ومن سمو المنزلة ما لم يعط غيركن ، فأنتن في مكان القدوة لسائر النساء ، وهذا الفضل كائن لكن إن اتقيتن اللَّه - تعالى - وصنتن أنفسكن عن كل ما نهاكن - سبحانه - عنه . قال صاحب الكشاف : أحد في الأصل بمعنى وحد ، وهو الواحد ، ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه . ومعنى قوله * ( لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ ) * : لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء . أي : إذا استقصيت أمة النساء جماعة جماعة ، لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة « 1 » . وجواب الشرط في قوله * ( إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) * محذوف لدلالة ما قبله عليه . أي : إن اتقيتن فلستن كأحد من النساء . قال الآلوسي : قوله * ( إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) * شرط لنفى المثلية وفضلهن على النساء ، وجوابه
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 536 .